محمد بن الطيب الباقلاني

303

الإنتصار للقرآن

ولو كان من عبد اللّه هذا الخلاف على الصّحابة مع العلم بأنّهم يعتقدون كون المعوّذتين قرآنا ، ويرون أنّ جاحدهما بمنزلة جاحد الكهف ومريم ، لوجب في مستقرّ العادة أن يعظم ردّهم عليه وعسفهم له ، وتبكيتهم إياه ، والمطالبة له بذكر ما دعاه إلى ذلك ، والمناظرة له على ما يحتجّ به ولكان ذلك أعظم معايب عبد اللّه وسقطاته عند مخالفه ومنافره ، ولوجب أن يحتجّ بذلك عثمان عليه في عزله والعدول في كتابة المصحف عنه ، ولوجب تغليط القوم له ، والحكم عليه بالكفر والردة ، وأنّه بمثابة من جحد جميع كتاب اللّه ، وأن يطالبوا الإمام بإقامة حقّ اللّه تعالى عليه في ذلك ، ومفارقته وترك مقاربته على جحد ما يعلمون أنّه سورتان من كتاب اللّه ، لأنّهم أنكروا عليه ما هو دون هذا ، وكرهوه من قوله حيث قال : « معشر المسلمين أعزل عن كتابة المصحف ، واللّه لقد أسلمت ، وإنّ زيدا لفي صلب رجل كافر » « 1 » . قال ابن شهاب وغيره : « ولقد كره مقالته هذه الأماثل من أصحاب رسول اللّه « 2 » صلّى اللّه عليه » وما هذا نحوه من اللفظ ، وقد كان ناظره عثمان وراسله مناظرة ظاهرة على امتناعه من تسليم مصحفه ، فكيف لم يناظره على إنكاره المعوّذتين ويهتف به ويجعل ذلك ذريعة وسبيلا إلى الدلالة على سوء رأيه وشدّة عناده ، وأنّه لا يجب أن يعبأ بمن جحد سورتين من كتاب اللّه قد اشتهر نصّ الرسول عليهما في الخاص والعام ، والصغير والكبير ، والقاصي والداني .

--> ( 1 ) أخرجه أبو عبيد في كتاب « فضائل القرآن » ص 283 . ( 2 ) رواه البخاري ( 9 : 14 وما بعدها ، باب في فضائل القرآن ) ، وأخرجه الترمذي ( 3103 ) ، كما أورده أبو عبيد في كتاب « فضائل القرآن » ص 283 .